إِنَّ الحَمْدَ لله، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِالله مِن شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله؛ فَلا مُضِلَّ لَه، وَمَنْ يُضْلِلْ؛ فَلا هَادِيَ لَه.
وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا الله -وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَه-.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ:
فقد سَعِدْتُ -واللـهِ- سعادةً كبيرةً غامرةً لَـمَّا رأيتُ هذا الإقبالَ -وذلك القَبُولَ- الذي لَقِيَهُ مقالي «النُّصْح الأمين لجمعِ كلمة السلفيِّين»؛ فَحَمِدتُ ربِّي -عزَّ وجَلَّ- على ذلك- كثيراً...
وممَّا زادَ سُروري، وضاعف فَرَحِي وحُبُوري: تِلكُمُ الأبحاثُ العلميَّةُ اللطيفةُ التي دارتْ بين قُرَّاءِ المقال، طَلَباً للحقِّ والحقيقة، بالكلمات العلميَّة الرقيقة، والعبارات الرَّزينةِ الدقيقةِ؛ الأمرُ الذي أثْرَى الموضوعَ، وأعْظَمَ فائدتَهُ، واستفاد منه الجميعُ...
وما أجمَلَ ما قيلَ -قديماً-: «تَعِسَ الطَّيْشُ مركباً، والجهلُ قريناً»..
وهو ما نُنَزِّهُ عنهُ (جُلَّ) إخوانِنا السَّلَفِيِّين -الصادقين المُخلِصين-؛ ممَّن سَمْتُهُمُ: التَّؤُدَةُ والأناةُ، وسِمَتُهُمُ: العلمُ والتَّفَقُّه -حفظهُم الله، وزادَهم مِن فضلِه-.
... فهذه هي النفسيَّةُ الطيِّبَةُ الصَّادقَةُ التي تعيشُ بالهُدى؛ راجيةً له، طامعةً به؛ تأنَسُ بالطَّمَأْنييةِ، وتسعدُ بثمراتِها، تُحِبُّ الأُلْفَة، وتفرحُ بالتَّوبَة، وتَنْتَعِشُ بإقالةِ العَثَرَات، وتسخطُ -وتتسخَّطُ- بالوُقوفِ على الزَّلات...
فهمُّها -مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ- تتبُّعُ الحقِّ ونشرُه؛ لا تلقُّطُ الخطأِ والخطيئةِ وبَثُّهما!
... أمَّا (هؤلاءِ) المُتَلَقِّطِون! فحالُهُم كمَنْ:
يمشونَ في النَّاسِ يَبْغُونَ العُيوبَ لِـمَنْ
لا عَيْبَ فيه( 1) لكَيْ يُسْتَشْرَفَ العطبُ
إن يعلموا الخيرَ يُخْفُوه وإنْ عَلِمُوا
شرًّا أذاعُوا وإن لم يعلموا (غَضِبُوا( !
وقال الإمامُ ابنُ حِبَّان في «روضة العُقلاء» (ص125:(
«فمَنِ اشْتَغَلَ بعيوبِ النَّاس عن عيوبِ نفسِه عَمِيَ قلبُهُ، وتَعِبَ بدنُهُ، وتعذَّرَ عليه تركُ عيوبِ نفسه؛ فإنَّ أعجزَ النَّاس مَن عابَ النَّاسَ بما فيهم، وأعجزَ منه مَن عابَهُم بما فيه»!
نعم؛ لن يَضُرَّ هذا الصنفُ إلا نفسَه، وسَيُدْرِكُ ذلك ويُعاينُهُ، ولو قَبْلَ أنْ يُوارَى رَمْسَه...
وسيعلم كُلُّ عاقل -ولا أقولُ: كُلُّ عالِمٍ!- فسادَ ما عليه هؤلاء مِن طريقة، تُخالف الحقَّ والحقيقة-ولو بعد حين!-؛ فانتظروا -يا صالِحِي المؤمنين-...
فاللهُ -تعالى- بهم عليم، لكونِهم مُخالفين هَدْيَ الرحمن الرحيم- في وصف أهل النَّعِيم المُقيم-: {... إلا مَن أتَى اللهَ بقلبٍ سليم ....{
نفوسٌ منكوسة، وقلوبٌ معكوسة؛ يُخالفُون بها الهديَ النبويَّ الرشيد، والنظرَ الإنسانيَّ السديد: «أحِبَّ للنَّاسِ ما تُحبُّ لنفسِك تكُن مؤمناً»( 2(.
فهُم على مِثلِ ما قيل:
أن يسمعوا سيِّئاً طاروا به فَرَحا مِنِّي وما سمعوا مِن صالحٍ دفنوا!
... لا تفرحْ بهذا -يا ذا- ؛ فـ{إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحِين{.
فلا تَفْرَحَنْ مِن غَلْطَةٍ أنت بُؤْتَها فأوَّلُ راضٍ سيرةً مَن يَسِيرُها!!
واجعلْ فَرَحَكَ بالصَّواب؛ لا بالشَّكِّ والارْتِياب...
اجعلْ فَرَحَكَ بأخيكَ كفَرَحِكَ بما فيك..
اجعلْ فَرَحَكَ بالمودَّةِ والائتلاف؛ لا بالفُرقةِ والاختلاف..
اجعَلْ فَرَحَكَ بالبحثِ عن تقوية الصِّلات؛ لا بالتَّنْقيرِ عن الزَّلات، والتنقيب عن العَثَرات...
اجعلْ فَرَحَكَ مع الله بحُسن عَمَلك، ولا تُفسِدْ على نفسِك نفسَكَ بسُوءِ أملِك...
}فبذلك فلْيَفْرَحُوا هو خيرٌ ممَّا يجمعون} مِن أوهام مَن (يعملون)، أو أغلاط مَن (يتكلَّمون(!!
فمَن ذا ناجٍ -يا ذا-؛ قل لي -بربِّك-؟!
أمَا لك عَقْلٌ -يا أيُّها المتربِّص-؟!
ألا تعلمُ أنَّ مَن جَرَّ أذْيالَ النَّاسِ بالباطِلِ جَرُّوا ذيلَه بالحقِّ؟!
باللـهِ عليك؛ هل نهايةُ العالِم ستقفُ عند هذا التسقُّطِ والتَّلَقُّطِ الذي تُمارسُهُ بِشَغَفٍ واهتمام؛ أو ذاك التربُّصِ والتصيُّدِ الذي تعيشُه -بل تعيش له وبه-؟!
أليس هُناك آخِرةٌ وحِساب؟!
وثوابٌ وعقاب؟!
فهلا أعددتَ لهذا مِن جواب -صواب-؟!
}وكلُّهُم آتيِه يومَ القيامةِ فرداً{...
هلا تأمَّلْتَ قولَهُ -تعالى-: {فرداً}، رابطَهُ بقولِ اللـهِ -عزَّ شأنُهُ-: {قلْ إنَّما أعظُكُم بواحدةٍ أنْ تقوموا للـهِ مثنى وفُرادى..{:
... }مثنى وفُرادى}؛ لماذا؟!
قال العلامةُ اللغويُّ المُفَسِّرُ أبو حَيَّان الأندلسي -رحمهُ اللهُ- في «البحر المحيط» (7/290-291(:
«والمعنى: إنَّما أعظُكُم بواحدةٍ فيها إصابتُكم الحقّ وخلاصُكم، وهي: أن تقوموا لوجه الله متفرِّقين اثنين اثنين، وواحداً واحداً، ثمَّ تتفكَّروا...
وإنما قال: (مثنى وفُرادى)؛ لأنَّ الجماعة يكونُ مع اجتماعِهم تشويشُ الخاطِر، والمنعُ مِن التفكُّر، وتخليطُ الكلام، والتعصُّب للمذاهب، وقلَّةُ الإنصافِ -كما هو مُشاهَدٌ في الدُّروس التي يجتمع فيها الجماعة، فلا يُوْقَفُ فيها على تحقيق-.
وأمَّا الاثنانِ: إذا نَظَرَا نَظَرَ إنصافٍ، وعَرَضَ كُلُّ واحدٍ منهما على صاحبِه ما ظهر لهُ؛ فلا يكادُ الحقُّ أنْ يعْدُوَهُما.
وأمَّا الواحدُ: إذا كان جيدَ الفِكر، صحيحَ النظر، عارياً عن التعصُّب، طالباً للحقِّ: فبعيدٌ أن يَعْدُوَهُ...».
وإلى هذا المعنى -نفسِه- أشارَ الإمامُ ابنُ القيِّم -رحمهُ اللهُ- في «الفوائد» (ص71( -بقولِه-:
«الاجتماعُ بالإخوانِ قسمان:
أحدُهما: اجتماعٌ على مُؤانسةِ الطَّبْع، وشُغْل الوقت:
فهذا مَضَرَّتُهُ أرجحُ مِن منفعتِهِ، وأقلُّ ما فيه: أنَّهُ يُفسِدُ القلبَ، ويُضَيِّعُ الوقتَ.
الثاني: الاجتماعُ بهم على التعاونِ على أسباب النجاة، والتواصي بالحقِّ والصَّبْر:
فهذا مِن أعظم الغنيمةِ وأنفعِها.
ولكنَّ فيه ثلاثَ آفاتٍ:
أحدُها: تزيُّنُ بعضهم لبعض.
الثانية: الكلامُ والخِلْطَةُ أكثرَ مِن الحاجة.
الثالثة: أنْ يصيرَ ذلك شهوةً وعادةً ينقطعُ بها عن المقصود.
وبالجملةِ؛ فالاجتماعُ والخِلْطةُ لِقاحٌ:
- إما للنَّفْسِ الأمَّارةِ.
- وإمَّا للقلبِ والنَّفْسِ المُطْمئنَّة.
والنتيجةُ مستفادةٌ مِن اللِّقاحِ:
فمَن طابَ لِقاحُه؛ طابتْ ثمرتُه.
وهكذا الأرواحُ الطيبةُ لِقاحُها مِن المَلَكِ، والخبيثةُ لِقاحُها مِن الشيطان».
فالأمرُ -كما قال اللهُ- تعالى-: {بل الإنسانُ على نفسِه بصيرة ولو ألقى معاذيره}(3 (:
قال الإمامُ ابنُ قيِّم الجوزية -رحمهُ اللهُ-:
«ومَن تأمَّل الشريعةَ -في مصادرِها ومواردِها- عَلِمَ ارتباطَ أعمالِ الجوارحِ بأعمالِ القُلوبِ، وأنَّها لا تنفعُ بدونها، وأن أعمالَ القلوبِ أفرضُ على العبدِ مِن أعمالِ الجوارحِ.
وهل يُمَيَّزُ المؤمنُ عن المنافق إلا بما في قلب كُلِّ واحدٍ منهما مِن الأعمال التي مَيَّزَتْ بينهُما؟!
وهل يُمكن أحدٌ الدخولَ في الإسلامِ إلا بعمل قلبِه قبلَ جوارحِه؟!
وعُبوديَّةُ القلبِ أعظمُ مِن عبوديَّة الجوارح، وأكثرُ، وأدْوَمُ؛ فهي واجبةٌ في كُلِّ وقتٍ...»(4 (.
... فلا تنسَ -أُخَيَّ- قلبَك وباطِنَك وأنتَ )مُنشَغِلٌ!) بتحسينِ فِعْلِكَ وظاهِرِك!
بل راقِبْ قلبَك -وربَّك- بكلِّ كلمة، لفظة، إشارة، حركة، سُكون...
... فمَن لم يستطِع تقديمَ عُذْرِهِ اليومَ -لسوءِ صنيعِه-؛ فهل هو قادرٌ على أن يُقدِّمَهُ غداً -بين يدَي ربِّه-؟!
أيُّها الأخُ المكرَّمُ -سدَّدَكَ اللهُ وأَعانَكَ-:
إنَّ التأصيلَ العلميَّ لمسائلِ الشَّرْعِ شَأْنٌ مهمٌّ غايةَ الأهمِّيَّة؛ بل بدونِه يكونُ الواحدُ مِنَّا تائهاً ضائعاً، مُذَبْذَباً مُتردِّداً...
وإنْ أظهَرَ أحدٌ نفسَه بخلاف حقيقتِه؛ فلن يهدأَ له بال..
ولن يستقرَّ على حال...
وسيظلُّ على التنقُّل بين الأحوال.
و:... الأوحال!
فتأصيلاً لنقدِ وإبطالِ تلكم الطريقة القبيحة -التي يُوهم (البعض!) أنفسَهم أنَّها مِن الدِّين، ومِن النُّصرة للمسلمين -تتبُّعاً للعَثَرات، وتربُّصاً بالزَّلات، وتصيُّداً للسَّقَطات-؛ أقولُ: قد صحَّ(5 ) عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قولُهُ:
«إنَّك إن تتبَّعْتَ عوراتِ المسلمين أفسدتَهم، أو كِدتَ تفسِدُهم».
ومِن ذلك -أيضاً- الحديثُ النبويُّ الصحيحُ الذي تضمَّنَتْهُ هذه الفتوى القَيِّمةُ العزيزةُ -فيما نحنُ فيه!- مِن كلامِ سماحةِ أُستاذنا الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين -تغمَّدَهُ اللهُ برحمتِه-:
قال السائلُ( 6):
«يُوجدُ -الآن- مع الأسف- عند بعضِ طلبةِ العلمِ: أَنَّهُم يتعمَّدُونَ(7 ) البحْثَ في أشرطةٍ وكُتَيِّباتٍ عَن زَلاتِ بعضِ العُلماء الذين نَحْسَبُهُم على الطريق الصحيح؛ هل -يا شيخ- هذا الأمر جائز؟».
فأجابَ -رحِمهُ اللهُ-:
«هذا لا يجوزُ.
تَتَبُّعُ عوراتِ المسلمين -ولا سيَّما العلماء- مُحرَّمةٌ؛ فقد جاء في الحديث: «يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بلِسانِه، ولم يدخُلِ الإيمانُ قلبَه، لا تُؤذوا المسلمين، ولا تتَّبعوا عوراتِهم؛ فإنَّ مَنْ تتبَّع عورةَ أخيه المُسلم: تتبَّع اللهُ عورتَه، ومَن تتبَّع اللهُ عورتَهُ فَضَحَهُ ولو في جَوْفِ بَيْتِه»(8 ).
فلا يجوزُ أن تُتَتَبَّعَ العورات.
وتتبُّع العورات عورةٌ.
يعني: هذا الذي ذهب يتتبّعُ عوراتِ النَّاس هو الآن واقعٌ في عورات!
والواجبُ -فِيمَنْ صَدَرَ منه ما يُنْتَقَدُ عليه-: أَنْ يُدافِعَ الإِنْسَانُ عَنْ أَخِيه إِذَا سَمِعَ مَنْ يَنْتَقِدُهُ فِي هَذا، وَيَقُول: لَعَلَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الأمرُ! لعلَّهُ تأوَّله(9 )!
ولا سيَّما مَن عُرِفَ بالصِّدْق، والإخلاص، وحُبّ نشر العِلم».
ورحمَ اللهُ الإمامَ ابنَ القيِّم -طبيبَ القُلوبِ، وعارفَ عِلَلِهَا-؛ فقد ذَكَرَ -رحمةُ الله عليه-: «حكمةَ الله في تخليتِهِ بين العبدِ وبين الذنب، وإقدارِه عليه، وتهيئةِ أسبابه له، وأنَّهُ لو شاء لَعَصَمَهُ، وحالَ بينَه وبينَه، ولكنَّهُ خلَّى بينَه وبينَه لحِكَمٍ عظيمةٍ لا يعلمُ مجموعَها إلا اللهُ»(10 )؛ فكان منها قولُه -رحمهُ اللهُ-:
«أنَّهُ يُوجِبُ له الإمساكَ عن عيوبِ النَّاس والفكرِ فيها؛ فإنَّهُ في شُغْلٍ بعيبِه ونفسِه، و«طُوبَى لِمَن شَغَلَهُ عيبُه عن عيوبِ النَّاس»( 11)، وويلٌ لمَن نسيَ عيبَه وتفرَّغ لعيوبِ النَّاسِ!
فالأوَّلُ: علامةُ السَّعادة، والثاني: علامةُ الشَّقاوة»( 12).
وهو المعنى -نفسُه -الذي ذَكَرَهُ- رحمهُ الله- في كتابِه «مفتاح دار السَّعادة» لـمَّا ذَكَرَ في (2/257-بتحقيقي) -منه-: «حكمةَ الله في أقضيتِه وأقدارِه التي يُجْرِيها على عبادِه باختياراتِهم وإراداتِهم»، وأنَّها «مِن أَلْطَفِ ما تكلَّمَ فيه النَّاسُ وأدقِّهِ وأغمَضِهِ.
وفي ذلك حِكَمٌ لا يعلمُها إلا الحكيمُ العليمُ -سبحانَهُ-».
فذَكَرَ (2/297) -منها-:
«أنَّهُ يُوجِبُ له الإمساكَ عن عُيوبِ النَّاسِ والفكرِ فيها؛ فإنَّهُ في شُغْلٍ بعَيْبِ نَفسه، فـ«طُوبى لمَن شغله عيبُه عن عيوب النَّاس»، وويلٌ لـمَن نَسِيَ عَيْبَهُ وتفرَّغَ لعُيوبِ النَّاس.
هذا مِن علامةِ الشَّقاوة، كما أنَّ الأوَّل مِن أماراتِ السَّعادة».
فإنَّ «مَن نَظَرَ في عيوبِ النَّاس: عَمِيَ عن عيوبِ نفسِه، ومَن عُنِيَ بالنَّار والفِردوس: شُغِلَ عن القِيلِ والقال، ومَن هَرَبَ مِن النَّاس: سَلِمَ مِن شُرورِهم»( 13).
وقد روَى الإمامُ ابنُ أبي الدُّنيا في «مُداراة الناس» (143)، و«ذَمّ الغِيبَة والنَّميمة» (59) عن عَوْنِ بنِ عبدِ الله قولَه:
«ما أحسِبُ أحداً تفرَّغَ لِعُيوبِ النَّاس؛ إلا مِن غَفْلَةٍ غَفِلَها عن نفسِه».
ورَوَى -أيضاً- (60) عن بكرِ بنِ عبدِ الله المُزَنِيِّ أنَّهُ قالَ:
«إذا رأيتُمُ الرَّجُلَ مُوْلَعاً بعُيوبِ النَّاسِ ناسياً لعيبِه؛ فاعْلَمُوا أنَّهُ قد مُكِرَ به».
وفي «جامِعِ بيانِ العِلْمِ وفضلِه» (656) -لابنِ عبدِ البَرِّ- عن الفُضَيْلِ بنِ عِياض قولُه:
«ما مِن أحدٍ أحبَّ الرِّئاسَةَ إلا حَسَدَ، وبَغَى، وتتبَّعَ عيوبَ النَّاس، وكَرِهَ أنْ يُذْكَرَ أحدٌ بخيرٍ»...
نعم؛ )تتبَّعَ عيوبَ النَّاسِ، وكَرِهَ أنْ يُذْكَرَ أحدٌ بخيرٍ) -كأنَّهُ جَرَبٌ فيه!- فتراهُ يُلاحِقُهُ..
يسألُ عنهُ...
يتَتَبَّعُهُ....
لا يَهْدَأُ إلا بنقضِهِ!
ولا يرتاحُ إلا بإسْقاطِهِ!!
ولا يَنْعَمُ إلا بإخراجِهِ!!!
إنَّها الأَدْوَاءُ الدَّفِينَةُ..
إنَّها الأمراضُ الخَزِينَةُ...
إنَّها البَلاءات المُتراكِبَةُ الألِيمَةُ...
.. ولا يجوزُ لأحدٍ (!) أنْ يُكابِرَ المحسوسَ، أو أنْ يَسْتَعْلِيَ على الموجودِ المُشاهَدِ؛ فذا -كُلُّهُ- واقع {ما لَهُ مِن دافِع}-شاء مَن شاء، وأَبَى مَن أبَى-!!
وهذا الدَّاء -والبَلاء- هو -نفسُهُ- ممَّا اشتَكَى آثارَه، مُسْتَنْكِراً أَوْضَارَهُ: فضيلةُ الشيخ ربيعِ بنِ هادي -وفَّقَهُ اللهُ-؛ لـمَّا قالَ في بعضِ «نصائِحِه» -مُحَذِّراً، ومُنَبِّهاً، ومُوْقِظاً-:
«إِنَّ الشِّدَّةَ -الَّتِي نَشَأَتْ هَذِهِ الأَيَّام- لَيْسَتْ مِن السَّلَفِيَّةِ في شَيْءٍ!!!
والدَّلِيلُ: أَنَّهَا صَارَتْ سِهَاماً مُسَدَّدَةً إِلَى نُحُورِ دُعَاةِ السُّنَّةِ -بِحَقٍّ-، وَيَسْعَى أَهْلُهَا إِلَى إِسْقَاطِ هَؤُلاءِ الدُّعَاةِ، وَإِبْعَادِهِمْ عَن سَاحَةِ الدَّعْوَةِ؛ بِحُجَّةِ أنَّهُمْ (مُمَيِّعُونَ)! وَهِيَ حُجَّةٌ إِبْلِيسِيَّةٌ كَاذِبَةٌ ظَالِمَةٌ!
فَصَارُوا بِهذَا الأُسْلُوبِ أَكْبَرَ عَوْنٍ لِخُصُومِ السُّنَّةِ وأَهْلِهَا، عَلَى السَّلَفِيَّةِ وَأَهْلِهَا!
فَانْتَبِهْ لِلألاعِيبِ وَالمَكَايِدِ والدَّسَائِسِ الَّتِي يَسْتَخْدِمُهَا خُصُومُ السُّنَّةِ -وَلا سِيَّمَا في هَذَا العَصْرِ-..
فَإِذَا وُجِدَ أشخاصٌ مُعَيَّنون مَشْهُورُون عند النَّاسِ بالسَّلَفِيَّةِ، والدَّعْوَةِ إليها، وفيهِم عُلَمَاءُ -في نَظَرِ النَّاسِ-؛ فَلا يَجُوزُ إِخْراجُهُم مِنَ السَّلَفِيَّةِ-بِسُهُولَة-!
وَهَذَا الإِخْرَاجُ جَرْحٌ شَدِيدٌ فيهِم؛ يَحْتَاجُ إلى أدِلَّةٍ...
أَرْجُو التَّدَبُّرَ والتَّفْكِيرَ العَمِيقَ في هَذِهِ الأُمُورِ، ثُمَّ المُبَادَرَةَ بِمَا يَجِبُ اتِّخَاذُهُ تُجَاهَ هَذِهِ القَاعِدَةِ الخَطِيرَةِ؛ لأَنَّهَا انْتَشَرَتْ بَيْنَ شَبَابٍ يُسْقِطُونَ غَيْرَهُمْ، ثُمَّ يُسْقِطُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً!
... فتقومُ الفتنةُ، ويحصُلُ الاختلافُ بين السَّلَفِيِّين، وتَكْثُرُ الطُّعُونُ المتبادَلَةُ!
فيَجِبُ إِطْفَاءُ هَذِهِ الفِتَنِ؛ بإِبْرازِ الحُجَجِ والبَرَاهِين الَّتِي تُبَيِّنُ للنَّاس، وَ(تُقْنِعُهُم) بِأَحَقِّيَّةِ تِلْكَ الأَحْكَام وَصَوَابِهَا، أَو الاعْتِذَارِ عَن هَذِهِ الأَحْكَامِ!».
قلتُ:
وبعدَ هذه الجولةِ في نُصوصِ الشَّرْعِ الحكيم، وكلماتِ السَّلَفِ وأَئِمَّة العلم -في التحذيرِ مِن هذا الدَّاءِ الأليم، وهذا البلاءِ العظيم- أقولُ:
أوَّلا:
لا يجوزُ -أَلْبَتَّةَ- أنْ يَفْهَمَ أحدٌ - أو يستدلَّ آخَرُ!- بهذا النَّهْيِ المُؤَكَّد عن (تتبُّع العورات، وتلَقُّطِ السَّقَطات): على (تمييعِ) مسائلِ الجرحِ والتعديلِ -الشرعيَّة-؛ فإنَّ لهذه المسائل أصولَها المنضبطةَ، وقواعدَها الموثَّقَةَ؛ بَدْءاً مِن (أُصول القُرآن والسُّنَّة في أدلَّةِ( 14) مشروعيَّتها) -وهي معروفةٌ لكُلِّ أحدٍ-، ومُروراً بـ(تأصيلات عُلماءِ السَّلَفِ لقواعِدِها وأُسُسِها)، وانتهاءً بـ(تطبيقاتِ عُلماءِ المسلمين -على مَرِّ السِّنين، وإلى هذا الحين-جرحاً وتعديلا لِكُلِّ مَن يستحقُّ هذا أو ذاك-بالحقِّ واليقين، مِن المنحرفين أو المُبتدعين-).
ثانياً:
مَن يعملُ لا بُدَّ أنْ يُخطِئ، والمعصومُ مَن عَصَمَهُ اللهُ:
وهذا -لِوُضوحِه- لا يحتاجُ إلى تقرير، ولا يفتقرُ إلى تدليل..
وكلمةُ القاضي الفاضلِ عبدِ الرَّحيمِ البَيْسَانِيِّ (المتوفَّى سَنَةَ 596هـ) تُعَبِّرُ عن هذه الحقيقة؛ بأُسلوبٍ عِلميٍّ أدبيٍّ رفيعٍ -لِـمَن يُدركُه!-؛ إذ يقولُ -رحمهُ اللهُ-تعالى-:
«إنِّي رأيتُ أنَّهُ لا يَكْتُبُ إنسانٌ كِتاباً في يومٍ، إلا قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لَكانَ أحسنَ! ولو زِيدَ كذا لكان يُسْتَحْسَنُ! ولو قُدِّمَ هذا لكانَ أفضلَ! ولو تُرِكَ هذا لكانَ أجملُ!
وهذا مِن أعْظَمِ العِبَر، وهو دليلٌ على استيلاءِ النَّقْصِ على جُملَةِ البَشَر»( 15).
أقولُ:
وراقِمُ هذه الكَلِماتِ، وكاتِبُ هذه الصَّفَحاتِ: لا يخرُجُ -هو ولا غيرُهُ!- عن هذا الإطار، ولا يتجاوزُ هذا المِقدار، والرُّجُوعُ إلى الحقّ أحبُّ إليه مِن ممادحِ الخَلْق...
ثالثاً:
أضْرِبُ (مِثالا تطبيقيًّا) على النُّقْطَتَيْنِ السَّابِقَتَيْن؛ يُظهِرُ شيئاً ممَّا سَنَحَتِ الفُرصةُ المناسِبةُ لبيانِه -بتوفيقِ الله- وحدَه-:
طُبِعَ -قبل ثمانِ سنوات- كتابُ «التجريد الصريح لأحاديث الجامع الصحيح» -للزَّبِيدِي- مكتوباً على طُرَّتِه: «أشرف على طَبْعِه: علي بن حسن...»!
وفي مقدِّمَتِي عليه (صفحة:ت) قُلتُ:
«لَخَّصْنَا غريبَ الحديث -المتعلِّق بنُصوص الكتاب- مُختَصَراً مِن «التوشيح بشرح الجامع الصحيح» للعلامةِ السُّيُوطِيِّ..».
ثُمَّ قُلتُ -بعد هذا بسطرَيْن-:
«ولقد خَرَجَ هذا الكتابُ على هذه الصُّورة البهيَّة -إنْ شاءَ اللهُ- جرَّاءَ تعاوُنِ عددٍ مِن طُلابِ العِلْمِ -كُلٌّ بحَسَبِه؛ بإشرافي ومُتابعتي، وذلك لِقِلَّةِ الفَراغِ، وكثرةِ المطلوب».
ولكنْ -وللأسَف الشديد!- لم يتيسَّرْ لي -لأسبابٍ عدَّةٍ يومئذٍ!- النَّظَرُ في المُراجعةِ الأخيرةِ له؛ فخَرَجَ ناقصاً (مقدِّمَة) الزَّبِيدِيِّ لكتابِه -كاملةً!-، فضلا عن عددٍ مِن الأخطاء العقائديَّة التي وَقَعَ فيها السُّيُوطِيُّ -لأشعَرِيَّتِه المعروفة، وتابَعَها مُلَخِّصُ كلامِه -غَفَرَ اللهُ له- في حاشيتِه على «التجريد»-!
حتى مقدِّمَتِي الوجيزةِ -والتي هي في أقلّ مِن ثلاث صفحات! -وَقَعَ فيها عددٌ مِن الأخطاء -بسبب عدم المُراجعة المشار إليه قبلا-؛ فمِن ذلك( 16):
1- (صفحة:ب): (تحت الكُتُبْ)!
كذا! والصواب: الكتبِ -مكسورةً-.
2- (صفحة:ت): (مع كونها غيرُ مُكَرَّرَ)!
كذا! والصَّواب: غيرَ! -منصوبةً-.
3- (صفحة:ت): (مختصرٌ مِن «التوشيح..»)!
كذا! والصواب: مُختصراً !! -منصوبةً-.
... وهكذا.
وممَّا وَقَعَ في الحواشي المذكورة -آنِفاً- مِن أخطاءٍ عقائديَّة - أذكرُها على سبيلِ التمثيل، لا الحَصْر- ثُمَّ أرُدُّ عليها؛ مُبَيِّناً خَطَأَها- ما يلي:
1- التعليقُ على (ص26) على حديث: «لا يمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا..»؛ ذاكِراً أنَّهُ «مُحالٌ على الله»!
وانظُر لدفعِ هذا القِيل -بالتفصيل- «تأويل مُختلف الحديث» (ص238) لابنِ قُتَيْبَةَ،
و«التمهيد» (7/152) لابنِ عبدِ البَرِّ، و«فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم» (1/209)، و«فتاوى ابن عثيمين» (1/174).
ففيها تقريرُ الجواب، وتحريرُ الصواب..
2- التعليقُ على )ص28) تعريفاً لِـ(الإيمان)، قال:
«الإيمانُ -لُغةً-: التصديقُ، وهو -في الشَّرْعِ-: تصديقٌ مخصوصٌ».
وانظُر تحريرَ المعنى اللغويّ للإيمان في كتاب «الإيمان» (7/289 - فما بعد، و439(مهم)- «مجموع الفتاوى») لشيخِ الإسلام.
وأمَّا المعنى الشَّرْعِيّ؛ فهو أنَّ الإيمانَ: قولٌ، وعملٌ، واعتقادٌ -منهجاً سلفيًّا صحيحاً خالصاً- بحمدِ اللهِ ومِنَّتِهِ-.
على تفصيلٍ مهمّ (معروف) -دقيق- ذكرتُهُ -ودافعتُ عنه- في كثيرٍ مِن كُتُبِي.
3- التعليقُ على (ص46) على حديثٍ فيه قولُهُ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «... فعَتَبَ اللهُ عليه»، قال:
«لمْ يَرْضَ قولَه»!
وهذا غَلَطٌ؛ فالأصلُ إمرارُ صِفات الباري -جَلَّ وعلا- على معناها اللُّغَوِيِّ وَفْقَ ما يَليقُ بالله -تبارك وتعالى- الذي: {ليس كمثلِه شيءٌ وهو السَّمِيعُ البصير{.
وانظُر -لِشيءٍ مِن التفصيلِ- «بدائع الفوائد» (4/987 - طبع الباز) لابنِ القيِّم.
4- التعليق (ص501) على حديثِ «اهتزَّ عرشُ الرَّحْمَن لموتِ سعد..».
قال: «المُرادُ باهتزازِ العرشِ: استبشارُهُ وسُرورُه..»!
وهذا تأويلٌ باطلٌ؛ فانظُر -لردِّهِ- «مجموع الفتاوى» (6/554(.
5- التعليق (ص587) على الحديث الوارد (ص585) (17 ): «يُؤذيني ابنُ آدَمَ؛ يسبُّ الدَّهْرَ، وأنا الدَّهْرُ..».
قال: «هو توسُّعٌ في الكَلام: لانَّهُ سبحانَه -مُنَزَّهٌ عن إضافة الأذَى الله..».
وإنَّما هذا -هكذا- لتوهُّمِه أنَّ إيذاءَ الله -سبحانَه- كإيذاء البشر القائم على الضعف والوَهَن!! وحاشا لله -تعالى-.
وانظُر «تيسير العزيز الحميد» (ص544 - طَبْع مكتبة الرياض)، و«الفتاوى الكُبرى» (5/64 - طبعة مَخْلُوف) -لشيخِ الإسلام-.
6- وكذا في (ص666) مِن قولِه: «لا فاعِل إلا الله»!
وهذا مِن عقائد الأشاعرة الجبريَّة!
فانظُر -لإبطال ذلك-: «مجموع الفتاوى» (8/305 و389)، و«منهاج السُّنَّة» (3/146) لشيخِ الإسلام.
7- وكذا في )ص728) مِن قولِه: «حبيبتان إلى الرحمن؛ أي: محبوبتان، أيْ: محبوبٌ قائلُها ... لأنَّ القصدَ من الحديثِ بيانُ سعة رحمةِ الله لعبادِه»!!
وهذا باطلٌ؛ فنحنُ نُثْبِتُ صفةَ (الحُبِّ) لله -تعالى- كما يَليقُ بجلالِه وكمالِه -سُبحانه-.
وهذا مِن أعظمِ أُصول أهل السُّنَّة في (باب الأسماء والصفات(..
قلتُ:
... وقد يُوْجَدُ غيرُ هذه الملاحظاتِ -أيضاً- في حواشي هذا الكتاب -وللأسفِ الشديدِ-.
«اللهمّ اغفِرْ لي هَزْلِي وجَدِّي، وخَطَئِي وعَمْدِي، وكُلُّ ذلك عندي»(18 (.
وإنَّما المقصودُ -حَسْبُ-: بيانُ حيثيَّات ما وَقَعَ في حواشي هذا الكتاب -على وجهِ الخُصوص-، مع ضَرْبِ الأمثلةِ -منه- تحذيراً، وبياناً -مِن جهةٍ-، ودفعاً لاستغلالِ مُسْتَغِلّ، وردًّا لأيِّ هوىً مُضِلّ -مِن جهةٍ أُخرى-.
وبعد هذا البيان أقولُ:
إنِّي لا أسامحُ -ألْبَتَّةَ- مَن ينسِبُ إليَّ هذه التعليقاتِ -بعضاً أو كُلاًّ-، أو رِضايَ عنها، أو يُشَكِّكُ بي -بسببِها-!
نعم؛ قد أُخْطِئُ في غيرِها، وقد يُوْجَدُ في كُتُبِي( 19) أشياءُ أُخَرُ مِن ذلك؛ فالمرجُوُّ مِمَّن وَجَدَ -أو يجدُ- شيئاً مِن ذلك: أنْ ينبِّهَنِي على ذلك، وإنِّي -بحمدِ الله- راجعٌ عمَّا يظهرُ لي مِن خطأ كذلك -في حياتي وبعد مماتي-.
ولْنَنْظُرْ -خِتاماً- إلى الطريقةِ المُثْلَى -والتي عزَّ وُجُودُها اليومَ!- للتّعامُل مع أهل السُّنَّةِ إذا أخطأُوا - ولو في باب العقيدة-:
قال معالي الأخ الصَّدِيق الأنيق الشيخ العلاَّمةِ المُتَفَنِّنِ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ في محاضرتِه «الفتوى بين مُطابقة الشَّرْع ومُسايَرة الأهواء» -ما نَصُّه-!
«إذا كانت المسألةُ متعلقةً بالعقائد، أو كانت المسألةُ متعلقةً بعالمٍ من أهل العلم في الفتوى -في أمرٍ من الأمور-؛ فإنه هنا يجبُ النظرُ فيما يؤولُ إليه الأمرُ من المصالح، ودفع المفاسد.
ولهذا ترى أئمةَ الدعوةِ -رحمهم الله -تعالى- من وقت الشيخ عبدالرحمن بن عبداللطيف بن حَسَن -أحد الأئمّة المشهورين-، والشيخ محمّد بن إبراهيم -إذا كان الأمرُ متعلقًا (بعالم)، أو (بإمام)، أو (بمن له أَثَرٌ في السنة)؛ فإنهم يتورَّعون، ويبتعدون عن الدخول في ذلك:
1- الشيخ صِدِّيق حسن خان القِنَّوْجِي الهندي -المعروف-، عند علمائنا له شأنٌ(20 )، ويُقَدِّرُون كتابه «الدين الخالص»، مع أنه نَقَدَ الدعوة في أكثَرَ من كتاب له!
لكن، يَغُضُّونَ النظرَ عن ذلك، ولا يُصَعِّدون هذا، لأجل الانتفاع بأصل الشيء، وهو تحقيقُ التوحيد، ودرءُ الشرك.
2- الإمام محمد بن إسماعيل الصَّنْعاني -المعروف(21 )-، صاحب كتاب «سُبُل السلام» -وغيره-، له كتاب «تطهير الاعتقاد»، وله جهودٌ كبيرةٌ في رَدِّ الناس إلى السنة، والبُعد عن التقليد المذموم، والتعصُّب، وعن البدع.
لكن؛ زلّ في بعض المسائل، ومنها: ما يُنسب إليه في قصيدته المشهورة، لَـمَّا أثنى على الدعوة، قيل: إنه رجع عن قصيدته تلك بأخرى! يقول فيها: «رجعتُ عن القول الذي قد قلتُ في النجدي»( 22) -يعني: محمد بن عبد الوهاب النجدي-!
ويأخذ هذه القصيدةَ أربابُ البدع، وهي تُنسَب له -وتُنسَب لابنه إبراهيم-، وينشرونها على أن الصنعاني كان مؤيدًا للدعوة، لكنه رجع!!
3- والشوكاني أيضًا -رحمه الله -تعالى-: مقامُهُ -أيضًا- معروفٌ( 23)، ومع ذلك كان علماؤنا يرون للشوكاني اجتهاداً خاطئاً في التوسُّل، وله اجتهادٌ خاطئٌ في الصفات.
و«تفسيرُهُ»( 24) -في بعض الآيات- له تأويلٌ، وله كلامٌ في عمر -رضي الله عنه- ليس بالجيِّد، وله كلامٌ -أيضًا- في معاوية(25 ) -رضي الله عنه- ليس بالجيد، لكن العلماء لا يذكرون ذلك.
وألَّف الشيخ سُلَيمان بن سَحْمان -رحمه الله- كتاب «تبرئة الشيخين الإمامين» -يعني بهما: الإمامَ الصنعانيَّ، والإمامَ الشوكانيَّ-.
وهذا لماذا؟ لماذا فعل ذلك؟
لأن الأصلَ الذي يَبني عليه هؤلاء العلماءُ هو: السُّنَّةُ.
فهؤلاء ما خالفونا في أصل الاعتقاد، وما خالفونا في التوحيد، ولا خالفونا في نُصرة السنة، ولا خالفونا في رَدّ البدع( 26)، وإنما اجتهدوا، فأخطأوا في مسائلَ.
والعالم لا يُتَتَبَّعُ بزلَّته، كما أنه لا يُتَّبَعُ -أي: لا يُقتدى- به فيها؛ فهذه تُتْرَكُ ويُسْكَتُ عنها، ويُنْشَرُ الحق، ويُنْشَرُ من كلامه ما يُؤَيَّدُ به.
وعلماءُ السُّنَّة لَـمَّا زلّ ابنُ خُزيمة -رحمهُ الله- في مسألة الصورة(27 ) -كما هو معلومٌ-، ونفى صفةَ الصورةِ لله -جَلَّ وعَلا-؛ ردّ عليه ابنُ تيميَّة -رحمه الله- في أكثرَ من مئة صفحة( 28(.
ومع ذلك: علماءُ السنة يقولون عن ابن خزيمة: إنه إمام الأئمة، ولا يَرْضَوْنَ أنَّ أحدًا يطعنُ في ابنِ خُزيمة، لأن كتابه «التوحيد» ملأه بالدفاع عن التوحيد لله رب العالمين، وبإثبات أنواع الكمالات لله -جلَّ وعلا-، في أسمائه ونعوته -جلَّ جلالُه-، وتقدَّست أسماؤه.
والذهبيُّ -رحمه الله- في «سير أعلام النبلاء»(29 ) قال: «وزلَّ ابنُ خُزيمة في هذه المسألة».
فإذاً -هنا- إذا وقع زَلَلٌ في مثل هذه المسائل، فما الموقفُ منها؟
الموقف: أنه يُنْظَرُ إلى موافقته لنا في أصل الدين، موافقته للسنة، ونصرته للتوحيد، نصرته لنشر العلم النافع، ودعوته إلى الهدى( 30) -ونحو ذلك من الأصول العامة-، ويُنصح في ذلك، وربما رُدَّ عليه على حِدَةٍ، لكن لا يُقدح فيه قدحًا يُلْغيه -تمامًا-.
وعلى هذا كان منهجُ أئمة الدعوة في هذه المسائل -كما هو معروفٌ-.
وقد حدَّثني فضيلةُ الشيخ صالح بن محمد اللحيدان -حفظه الله -تعالى- حينما ذَكَرَ قصيدةَ الصنعاني الأخيرة: «رجعتُ عن القول الذي قلت في النجدي» التي يقال: إنه رجع فيها! أو أنه كتبها! قال:
سألتُ شيخَنا محمد بن إبراهيم -رحمه الله- عنها، هل هي له، أم ليست له؟ قال: فقال لي:
الظاهرُ أنها له، والمشايخُ -مشايخُنا- يُرَجِّحُون أنها له، ولكن لا يريدون أنْ يُقال ذلك، لأنه نَصَرَ السُّنَّةَ، ورَدَّ البِدْعَةَ، مع أنه هجم على الدعوة، وتكلَّم في هذه القصيدة عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب.
ثم الشوكاني له قصيدةٌ أرسلها إلى الإمام سعود، ينهاه فيها عن كثير من الأفعال، من القتال، ومن التوسُّع في البلاد، ونحو ذلك في أشياء، لكنْ: مقامُهُ محفوظٌ( 31(.
لكن؛ ما زلُّوا فيه: لا يُتَابَعون عليه، ويُنهى عن مُتابَعَتِهِم فيه».
إلى أن قال -حفظه الله-:
«لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وهذه القاعدة -المُتَّفَقُ عليها- لها أثرٌ كبيرٌ، بل يجب أن يكون لها أثرٌ كبيرٌ في الفتوى...».
وعليه؛ فإنَّ ما يُخالفُ هذا التأصيلَ العلميَّ المتوارَثَ الأصيلَ إنَّما هو ناشئٌ بسببِ «الجهلِ المُفْرِط، والغُلُوِّ الزَّائد في إساءةِ الظَّنِّ بالمسلمين» -كما قال الإمامُ ابنُ القيِّمُ في «الوابِل الصَّيِّب» (ص24(-.
وقد ذَكَرَ -رحمهُ اللهُ- في «بدائع الفوائد» (2/800): «مَن سبَقَتْ له مِن الله موهبةُ السُّنَّة، ومعاداةُ أهل البِدَع والضَّلال»، وأنَّ الشيطان ينقله إلى «الكبائر -على اختلافِ أنواعها-»، ثُمَّ قال:
«فهو أشدُّ حرصاً على أن يوقعَه فيها، ولا سيَّما إن كان عالماً متبوعاً، فهو حريصٌ على ذلك لينفِّرَ النَّاسَ عنه، ثم يُشيعَ مِن ذنوبِه ومعاصيه في النَّاس، ويستنيبَ منهم مَن يُشيعُها ويُذِيعُها تديُّناً وتقرُّباً -بزعمِه- إلى الله -تعالى-!
وهو نائبُ إبليس ولا يشعرُ!!
فـ{إنَّ الذين يُحِبُّونَ أن تشيعَ الفاحشةُ في الذين آمنوا لهم عذابٌ إليم} -هذا إذا أحبُّوا إشاعتَها وإذاعتَها-؛ فكيف إذا تَوَلَّوْا هُم إشاعتَها وإذاعتَها؛ لا نصيحةً منهم، ولكنْ طاعةً لإبليس، ونيابةً عنه؟!
كل ذلك ليُنَفِّرَ النَّاسَ عنه، وعن الانتفاعِ به!
وذُنوبُ هذا -ولو بلغت عَنان السَّماء- أَهْوَنُ عند الله مِن ذُنوبِ هؤلاء؛ فإنَّها ظلمٌ منه لنفسِه، إذا استغفرَ اللهَ وتابَ إليه قَبِلَ اللهُ توبتَه، وبدَّلَ سيئاتِه حسناتٍ.
وأمَّا ذُنوبُ أولئك: فظُلمٌ للمؤمنين، وتَتَبُّعٌ لعورتِهم، وقصدٌ لفضيحتِهم.
واللهُ -سبحانه- بالمرصادِ؛ لا تخفى عليه كمائنُ الصُّدور، ودسائسُ النُّفوس».
... فكُن -يا أخي المُوَفَّق- كبيرَ الهِمَّة، نَقِيَّ الذِّمَّة؛ على نحو ذلك النَّمَط الفريد الذي وَصَفَهُ العلاَّمةُ الشيخُ محمد الخَضر حُسين -رحمهُ اللهُ- بقولِه:
«كبيرُ الهِمَّة يستبينُ خطأً في رأيِ عالمٍ، أو عبارةِ كاتبٍ، فيكتفي بعرضِ ما استبانَ مِن خطأٍ على طُلاَّبِ العِلْمِ؛ ليفقهوه( 32(...
ويأبَى له أدبُهُ أنْ ينزلَ إلى سِقْط الكلام، أو يَخِفَّ إلى التبجُّح بما عنده!
وقد حَدَّثَنا التاريخُ عن رجالٍ كانوا أذكياءَ، ولكنَّهم ابتُلُوا بشيء مِن هذا الخُلُق المكروه، فكان عِوَجاً في سيرِهم، ولَطْخاً في صُحُفِهم!!
ولو تحامَوْهُ لَكان ذِكْرُهُم أعلى، ومقامُهُم في النُّفوس أسْمَى، ومنزلتُهُم عند الله أرْقَى»( 33).
... وأُنهي مقالتي -واللهُ المُوَفِّق- هذه بثلاث كلماتٍ (سلفيةٍ) عزيزة؛ نُقايسُ بها أنفُسَنا وقُلُوبَنا، ونقارنُ بها أفعالَنا وأقوالَنا:
1- قال الإمامُ الحسنُ البصريُّ -رحمهُ اللهُ- كما في «شرح أصول أهل السُّنَّة» (رقم:19( -لِلاّلَكَائي-:
«يا أهل السُّنَّة ترفَّقوا -رحمكمُ اللهُ-؛ فإنَّكم مِن أقلّ النَّاس»( 34(.
2- وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمهُ اللهُ- في «مجموع الفتاوى» (6/388(:
«إنَّ العلمَ ما قام عليه الدليلُ، والنَّافع منهُ ما جاء به الرّسولُ؛ فالشَّأنُ في أنْ نقولَ عِلماً هو النَّقْلُ المُصَدَّق، والبحثُ المُحَقَّق؛ فإنَّ ما سِوَى ذلك -وإن زَخْرَفَ مثلَهُ (بعضُ النَّاس!) - خَزَفٌ مُزَوَّق، وإلا: فباطِلٌ مُطْلَق».
3- وقال -رحمهُ الله- في «مجموع الفتاوى» (28/207) -أيضاً-:
«وما أكثرَ ما تفعلُ النُّفُوسُ ما تهواهُ؛ ظانَّةً(35 ) أنَّها تفعلُهُ طاعةً لله»(36 (!
وصلى اللهُ وسلَّمَ وباركَ على نبيِّنا محمد، وعلى آلِه، وصحبِه -أجمعين-.
بعد ظهر يوم الثلاثاء: 26 - شوَّال - 1428هـ
لتحميل المقال على صيغة وورد :
http://www.fatwa1.com/upfiles/files/12842/Taziz.doc
ــــــــ
الحواشي :
(1 ) أي: ظاهرٌ بادٍ.
وإلا؛ فـ«كل بني آدم خطَّا»، ذو عيُوب وعيوب.
واللهُ هو الذي يستُرُ ويعفُو، وعلى عبادِه الصادقين يتُوب...
(2 ) «السلسلة الصحيحة» (72).
( 3) وفي «تفسير الطبري» (32972) عن الإمام قتادَة قولُهُ -في تفسيرِ الآية-:
«إذا شئتَ -واللهِ- رأيتَه بصيراً بعيوبِ الناس وذُنوبِهم، غافلا عن ذُنوبِه»!!
(4 ) «بدائع الفوائد» (3/193).
( 5) «غاية المَرام» (424) لشيخِنا الإمام الألبانيّ -رحمهُ اللهُ-.
(6 ) كما في «شرحِه» -رحمهُ اللهُ- على «حِلية طالب العلم».
( 7) بل يتنعَّمون ويفرحون!!!
(8 ) الحَدِيثُ حَسَنٌ؛ وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي «غَايَة المَرَام» (420) -لِشَيْخِنا-.
( 9) هذا يقولُهُ أصحابُ النُّفوسِ الرَّضيَّة -حَسْبُ-.
أمَّا (غيرُهم): فبالعكس!!!
(10 ) «طريق الهجرتَيْن» (1/362).
( 11) يُروى مرفوعاً، ولا يصحُّ!
وانظُر «تحريم آلات الطرب» (ص74) -لشيخِنا الإمامِ الألبانيِّ -رحمهُ اللهُ-.
(12 ) «المصدر السابق» (1/370).
(13 ) «شُعَب الإيمان» (10375)، و«الزُّهْد الكبير» (192) -كِلاهُما للإمامِ البيهقيِّ-.
( 14) وفي كتابي «التنبيهات المُتوائمة..» (ص172-173-ط/2003) بحثٌ بعُنوان: (الرَّدُّ أصلٌ شرعيّ..).
ذكرتُ فيه أهميَّة الردود -المبنيَّة على عِلم (الجرح والتعديل)- بأُصولِه وقواعدِه-، ثمَّ مثَّلْتُ بِرُدود بعض أهل العِلم المعاصرين؛ كشيخِنا الألبانيّ، والشيخ ربيع بن هادي -وغيرهما-.
( 15) «الإعلام بأعلام البَلد الحرام» (ص456) -للنَّهروالي-.
وانظُر «شرح الإحياء» (1/3) -للزَّبِيدِيِّ-.
(16 ) انظُر ما سيأتي (برقم:5) تأكيداً لموضوعِ الأخطاءِ الناتِجَةِ عن عدمِ المُراجعةِ!!
( 17) وهذا مِن الأخطاء المطبعيَّة الظاهرة: فالتعليقُ على الحديث قبل صفحة مِن وُرودِ مَتْن الحديث -نفسه-!!
(18 ) رواهُ البخاريُّ (6036)، ومسلم (2719) عن أبي موسى الأشعريِّ -رضيَ اللهُ عنهُ-.
( 19) فأوَّل كتاب طُبِعَ لي قبل أكثر مِن سبع وعشرين سنة -بحمدِ الله-.
و(لعلَّ) عدد مؤلَّفاتي (المطبوعة) وصل -اليومَ- إلى أكثرَ مِن مئتي كتاب -بين رسالة، وكتاب، ومجلد، ومجلدات-!
فالباحثُ عن العَثَرَات، والمتربِّص للسَّقَطات: سيجدُ مِن ذلك -لا مَحالَة-؛ فمَن يعمَل لا بُدَّ أن يُخْطِئ؛ بخِلافِ (الساكن ) أو (الكامن ) ممن لا يعمل !!
... فأسألُ اللهَ -لي ولكُلِّ مُسلمٍ صادقٍ- الإخلاص، والسنةَ، وحُسنَ الخِتام...
(20 ) انظُر كتاب «السيد صِدِّيق حسن خان القِنَّوْجِي: آراؤُه الاعتقادية، وموقفُه مِن عقيدة السَّلَف» للدُّكتور أختر جمال لقمان -نشر: دار الهجرة / السعودية.
(21 ) انظُر كتاب «الوُجهة السَّلَفِيَّة عند الأمير الصَّنْعانِيّ» للدكتور إبراهيم هلال - نشر: دار النهضة العربية/ مصر.
(22) انظُر «علماء نجد» (3/948) للبسَّام.
( 23) انظُر كتاب «منهج الإمام الشوكاني في العقيدة» للدكتور عبد الله نومسوك - نشر: مكتبة دار القلم والكتاب/ السعودية.
(24 ) وهو المشهورُ بـ«فتح القدير».
( 25) انظُر موقفَه -رحمهُ الله- مِن الصحابة - وتعظيمَه لهم- في: «قَطْر الولِيّ على حديث الوليّ» (ص292)، و«أدب الطلب» (ص96)، و«البدر الطالع» (1/223-235).
( 26) وهذه هي الأصول (المنهجيَّة) -الأساسيَّة- التي يكون بها المسلمُ سلفيًّا، أو يخرجُ -بِمُخالفتِها- مِن السَّلَفِيَّة -ضمن الشروط والضوابط-.
(27 ) وذلك في شرحه لحديث: «خلق اللهُ آدمَ على صورتِه» -المتَّفَقِ على صحَّتِه- عن أبي هريرة-.
( 28) «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعِهم الكلاميَّة» (6/377- فما بعد).
(29 ) (14/374).
( 30) وهي أُصولُ (الأُصول) -كما تقدَّم-.
(31 ) هذا هو الفقهُ الدقيق، والأدَبُ العميق...
( 32) لا لِيَشْمَتُوا به، أو يُسْقِطُوه، أو يتفكَّهوا بعِرْضِه -وعَرْضِه!-!!
(33 ) «رسائل الإصلاح» (1/89) -له-.
( 34) هذا في زمانِهم! فكيف الحالُ في زمانِنا؟!
( 35) وقال -رحمهُ اللهُ- في «الرد على البكريِّ» (2/729):
«والعلمُ شيئانِ: إمَّا نقلٌ مُصدَّق، وإمَّا بحثٌ مُحَقَّق.
وما سِوى ذلك: فَهِذْيانٌ مُزَوَّق..».
(36 ) فالحَذَرَ الحَذَر؛ فالأمرُ جِدٌّ!