|
الحَمْدُ ِللهِ، وَالصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَمَنْ وَالاَه.
أمّا بعد:
فإنّ فتنة تصيّد العثرات، وتتبّع الزّلات، وما يتلوها من تبديع وتشنيع؛ فتنة شديدة ضربت أطنابها في عقول كثير ممّن لم يجد العلم طريقاً إلى قلبه، وممّن لم يتخلق -بعدُ- بأخلاق العلماء الرّبّانيّين، وإن صاح -صباح مساء!!- بالتّمسح بهم، والدّعوة إلى مناهجهم.
واختصاراً على القارئ اللّبيب أضع بين أيديكم -إخواني السّلفيّين- هذه النّصيحة العظيمة؛ والّتي تمثل منهج العلماء الرّبّانيّين في نصح المخالف، والرّغبة في رحمته بترك ما كان عليه من المخالفة؛ سواء كانت المخالفة -هذه- في الأصول أو في الفروع.
وقارن -أيّها الأخ السّلفي!- بين مناهج العلماء الرّبّانيّين، ومناهج المدّعين المتعالمين المتسلّقين على العلم وأهله؛ لتكون على بيّنة من أمرك، وبصيرة من دينك.
فهذه نصيحة غالية عالية قام بها العلّامة حمد بن عتيق -رحمه الله-، تنمّ عن فقه دقيق، وعلم عميق، وجّهها إلى عالم آخر زلّت به القدم في بعض المسائل العقديّة، والّتي لو وقف عليها هؤلاء المتعالمون لأخرجوا صاحبها من اتباع السّنّة المحمّديّة، ونسبوه إلى إحدى الفرق البدعيّة.
وجّهها -وهو في السّبعين من عمره!!- إلى العلّامة محمّد صدّيق حسن خان القنّوجيّ!! وقد كان -رحمه الله- "أشعريًّا كما هو معروف لدى أهل العلم ، وكتابه "فتح البيان في مقاصد القرآن" يدلّ على ذلك". "مقدّمة تحقيق كتاب قطف الثّمر"(ص19).
ومع هذا لم يحمل هذا الأمر العلّامة الشّيخ حمد بن عتيق على تبديع العلّامة صدّيق حسن خان والتّشنيع عليه، بل راسله وكاتبه وناصحه نصيحة المشفق؛ فقد "حوت هذه النّصيحة قواعد سلفيّة هامّة، مع الرّدّ على بعض الشّبهات في ذلك، إضافة للفوائد العظيمة، والحكم البليغة، وما فيها من دروس للدّعاة إلى الله فيما ينبغي أن يكون عليه أهل العلم وطلّابه، مع القيام بواجب النّصح مع التّواضع مع النّاصح، وإعذار المخالف، وإرشاده إلى سبيل الحقّ.
ولقد كان لهذه النّصيحة الأثر الكبير في رجوع الشّيخ صدّيق خان إلى الحقّ في كثير من المسائل...". "مقدمة تحقيق كتاب قطف الثمر"(ص5-6).
وهاأنذا أنقل بعض عبارات من هذه الرسالة -الطويلة-؛ لعل أن يكون فيها عبرة للمعتبرين، وذكرى للذّاكرين؛ "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ" [ق:37].
قال الشّيخ العلّامة حمد بن عتيق -رحمه الله-: "من حمد بن عتيق إلى الإمام المعظّم، والشّريف المقدّم؛ المسمّى محمّد، الملقّب صدّيق، زاده الله من التّحقيق، وأجاره في مآله من عذاب الحريق .
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فالموجب للكتاب إبلاغ السّلام، والتّحفي والإكرام، شيّد الله بك قواعد الإسلام، ونشر بك السّنن والأحكام .
اعلم -وفّقك الله- أنّه كان يبلغنا أخبار سارّة بظهور أخ صادق ذي فهم راسخ، وطريقة مستقيمة، يقال له صدّيق، فنفرح بذلك ونسرّ؛ لغرابة الزّمان، وقلّة الإخوان، وكثرة أهل البدع والأغلال".
وقال -رحمه الله-: "ولمّا رأينا ما منَّ الله به عليكم من التّحقيق، وسعة الاطّلاع، وعرفنا تمكنكم من الآلات، وكانت نونيّة ابن القيم؛ المسمّاة: "بالكافية الشّافية في الانتصار للفرقة النّاجية" بين أيدينا، ولنا بها عناية، ولكنّ أفهامنا قاصرة، وبضاعتنا مزجاة من أبواب العلم جملة، وفيها مواضع محتاجة إلى البيان، ولم يبلغنا أنّ أحداً تصدّى لشرحها، غلب على الظّنّ أنّك تقدر على ذلك؛ فافعل ذلك يكن من مكاسب الأجور، وهي واصلة إليك -إن شاء الله-، فاجعل قراها شرحها وبيان معناها، وأصلح النيّة في ذلك تكن حرباً لجميع أهل البدع؛ فإنّها لم تبق طائفة منهم إلا ردّت عليها، فهذان مقصدان من بعثها إليك:
أحدهما: شرحها.
والثاني: الاستعانة بها على الرّدّ على أهل البدع؛ لأنّ مثلك يحتاج إلى ذلك لكونك في زمان الغرابة وبلاد الغربة، فإن كنت حريصاً على ذلك؛ فعليك بكتاب: "العقل والنّقل"، و"التّسعينيّة" لشيخ الإسلام ابن تيمية، وكتاب: "الصّواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة"، و"الجيوش الإسلاميّة" لابن القيم، ونحوهنّ من كتبهما؛ فإنّ فيها الهدى والشّفاء...".
وقال -رحمه الله-: "وأنا اجترأت عليك؛ وإن كان مثلي لا ينبغي له ذلك؛ لأنّه غلب على ظنّي إصغاؤك إلى التّنبيه، ولأنّ من أخلاق أئمّة الدّين قبول التنبيه والمذاكرة وعدم التكبّر، وإن كان القائل غير أهل، ولأنّه بلغني عن بعض من اجتمع بك أنّك تحبّ الاجتماع بأهل العلم، وتحرص على ذلك، وتقبل العلم ولو ممّن هو دونك بكثير؛ فرجوت أنّ ذلك عنوان توفيق، جعلك الله كذلك، وخيراً من ذلك".
وقال -رحمه الله-: "وقد اجترأت عليك بمثل هذا الكلام؛ نصحاً لله ورسوله، رجاء من الله أن ينفع بك في هذا الزّمان الذي ذهب فيه العلم النافع، ولم يبق إلا رسومه، وأنا أنتظر منك الجواب، وردّ ما صدر منّي من الخطاب".
فيا طالب العلم! عليك بمنهج العلماء العاملين النّاصحين، وإيّاك وسبيل المتعالمين الفاضحين، تكن من الفالحين.
وصلّى الله وسلّم على عبده ورسوله محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين
|