الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله, وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه, أما بعد:
فإننا نعيش في هذه الأوقات أياماً مباركات, تتوالى فيها النفحات, وتتنزل الرحمات, من رب الأرض والسموات, فطوبى ثم طوبى لمن ملأها بالطاعات, وشغلها بالقربات.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "افعلوا الخير دهركم، وتعرَّضوا لنفحاتِ رحمةِ الله، فإِنَّ لله نفحاتٍ من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، وسلوا الله أن يسترَ عوراتِكم، وأن يؤمِّن روعاتِكم". (السلسلة الصحيحة/1890)
أيام العشر أيام عظيمة فاضلة:
وهذه الأيام -أيام عشر ذي الحجة- هي الأيام التي أقسم بها ربنا في كتابه العزيز, فقال تعالى: "وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ". وهي التي ذكرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشرة". قالوا: يا رسول الله, ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله, إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء". أخرجه البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما-.
الأيام القادمة خيرها وأفضلها:
وأمامنا منذ اليوم أسبوع كامل من السبت إلى الخميس نصفه منها وأفضلها, وأسماؤها عندنا معاشر المسلمين هي كالتالي:
* السبت: يوم التروية, وسمي بذلك لأن الحجاج كَانُوا يَتَرَوَّوْنَ مِنَ المَاءِ من مكة قبل انطلاقهم إلى منى وعرفة, لأنه لَمْ يَكُنْ بِعَرَفَةَ مَاءٌ.
* الأحد: يوم عرفة, وسمي بذلك لأن الحجاج يقفون في هذا اليوم على جبل عرفة, واختلف في سبب تسمية عرفة بذلك, فقيل: من تعارف الناس فيها كل عام في الحج, وقيل: من تعارف آدم وحواء بعد نزولهما من الجنة, وقيل: من قول جبريل لإبراهيم -عليهما السلام- وهو يعلمه المناسك: أعرفت المناسك؟ قال: عرفت. والله أعلم بالصواب.
* الاثنين: يوم النَّحر, وسمي بذلك لأن الحجاج ينحرون الهدي, وغير الحجاج ينحرون الأضاحي.
* الثلاثاء: يوم القَرِّ, وسمي بذلك لأن الحجاج يستقرون في منازلهم في منى للاستراحة بعدما أدوا أعمال الحج.
* الأربعاء والخميس: يوم النفر الأول ويوم النفر الثاني. وسميا بذلك لنفرة الحجيج من منى إلى مكة.
وهذه الثلاثة الأخيرة تسمى: أيام التشريق, وسميت بذلك لأن الحجاج كانوا يشرِّقون فيها لحوم الهدي والأضاحي في الشمس والريح من أجل ادخاره.
وهذه الأيام الفاضلة ذكرت في حديث عقبة بن عامر عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب". أخرجه أبو داود (2419) وصححه الألباني
وهي على التفصيل كما يلي:
يوم عرفة:
أما يوم عرفة, فما أدراك ما يوم عرفة؟
* إنه اليوم الذي تغفر فيه الزلات, وتقال العثرات, وتجاب الدعوات, وتسكب العبرات, وتمحى فيه الذنوب والخطيئات, ويتوب المؤمنون والمؤمنات, فتتنزل من الله عليهم الرحمات.
* وهو اليوم الذي أكمل الله فيه الدّين, ونزل فيه قول رب العالمين: "الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً". عن طارق بن شهاب قال: قال رجل من اليهود لعمر بن الخطاب: يا أمير المؤمنين لو علينا أنزلت هذه الآية؛ لاتخذنا ذلك اليوم عيداً. فقال له عمر بن الخطاب: "إني لأعلم أي يوم أنزلت هذه الآية, أنزلت يوم عرفة في يوم الجمعة". متفق عليه
* وهو اليوم المشهود: الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اليوم الموعود يوم القيامة, واليوم المشهود يوم عرفة, والشاهد يوم الجمعة..". (صحيح الجامع/8201)
* وهو اليوم الذي صيامه يكفر ذنوب عامين كما جاء عنه -صلى الله عليه وسلم- في (صحيح مسلم) أنه سئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية".
* وهو أهمُّ ركنٍ من أركان الحجِّ والذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الحج عرفة". (إرواء الغليل/1064)
* وهو يوم العتق من النار الذي قال فيه النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبداً من النار من يوم عرفة, و إنه ليدنو ، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟". ثم يقول: "اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم". (صحيح الترغيب والترهيب/1154)
* وهو يوم مباهاة الله ملائكته بعباده المؤمنين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن الله -عز وجل- يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول انظروا إلى عبادي شعثا غبراً".(صحيح الترغيب والترهيب/1153)
* وهو يومٌ الدعاءُ فيه أفضل الدعاء: عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة, وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". أخرجه الترمذي (3585) وحسنه الألباني
يوم النَّحر:
وفي هذه الأيام أيضاً يوم النحر:
* وهو يوم عيد للمسلمين. عن عائشة أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى في عيد الأضحى تغنيان وتضربان, والنبي -صلى الله عليه وسلم- متغشٍّ بثوبه, فانتهرهما أبو بكر, فكشف النبي -صلى الله عليه وسلم- عن وجهه وقال: "دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد". (غاية المرام/399)
* وهو أعظم أيام السنة على الإطلاق, فعن عبد الله بن قرط -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعظم الأَيام عند الله يوم النَّحر ثم يوم القَرِّ". (صحيح الجامع/1064)
ويوم القَرّ: هو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة.
* ويوم النَّحر هو يوم الحج الأكبر الذي يجتمع فيه من الطاعات والعبادات ما لا يجتمع في غيره, فيجتمع في هذا اليوم العظيم عبادات كبيرة كثيرة, مثل: الطواف والسعي والنحر ورمي الجمرات والتكبير والتهليل والتلبية والحلق والأضحية وصلاة العيد وغير ذلك.
أيام التَّشريق:
ويلي يومي عرفة والنحر أيام التشريق:
* وهي الأيام المعدودات التي ذكرها الله -تعالى- في كتابه بقوله: "وَاذكرُوا اللهَ في أَيَّامٍ مَعدُوداتٍ". قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "الأيام المعلومات: أيام العشر, والأيام المعدودات: أيام التشريق". وكذا قال الحسن البصري, وسعيد بن جبير, وقتادة, وعطاء بن أبي رباح.
* وهي أيام ذكر الله -جل وعلا- لقوله –صلى الله عليه وسلم-: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله". رواه مسلم
الأضحية:
وفي هذه الأيام الفاضلات تشرع سنة عظيمة من سنن الأنبياء, ألا وهي سنة الأضحية, فالأضحية:
* هي سنة أمر بها ربنا -جل وعلا- بقوله: "فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ". [الكوثر : 2]
* وهي سنة أبينا إبراهيم الخليل -عليه السلام-, عندما فدى الله ولده إسماعيل بكبش عظيم فذبحه بدلاً عنه. قال -تعالى-: " وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ". [الصافات : 107] فأكرِم بها من سنة! وأعظِم بها من منة!
* وهي سنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-, فقد ثبت عنه أنه ضحى بكبشين أقرنين أملحين يذبح ويكبر ويسمِّي ويضع رجله على صفحتهما.
عن أنس قال: ضحى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بكبشين أملحين أقرنين؛ ذبحهما بيده وسمَّى وكبَّر, قال: رأيته واضعاً قدمه على صفاحهما ويقول: "بسم الله والله أكبر". متفق عليه
* وأذكر في هذا المقام على وجه السرعة أهمَّ أحكام الأضحية بأخصر عبارة وأوجز إشارة:
1ـ لا تكون الأضحية إلا من بهيمة الأنعام, وهي ثلاثة: (الإبل والبقر, والغنم -ماعزاً أو ضأناً-).
2ـ وهي سنة واجبة على المستطيع في أصح أقوال العلماء, لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "من كان له سعة ولم يضحِّ فلا يقربنَّ مصلانا". (صحيح الجامع/6490)
3ـ وقت ذبحها من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس رابع أيام العيد, وثالث أيام التشريق, لقوله -صلى الله عليه وسلم: "كلُّ أيام التَّشريق ذبح". (الصحيحة/2476)
فمن ذبحها قبل هذا الوقت أو بعده لم تجزئه.
4ـ أن تكون الأضحية بالغةً السنَّ المعتبر شرعاً, لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّةً". رواه مسلم
وذكر أهل العلم أن هذه المسنة هي الثنيّةُ من كل شيء, قال النووي -رحمه الله-: "قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء؛ من الإبل والبقر والغنم فما فوقها". "شرح مسلم"(13/117), وتفصيلها كالتالي:
في الإبل: أن تكون قد أتمت خمس سنوات ودخلت في السادسة, وهي تجزئ عن سبعة.
في البقر: أن تكون قد أتمت سنتين ودخلت في الثالثة, وهي تجزئ عن سبعة.
في الغنم (الماعز والضأن): أن تكون قد أتمَّت سنة ودخلت في الثانية, وتجزئ عن الرجل وأهل بيته.
وإذا تعذر وجود الثَّنيِّ من الضأن (وهو ما أتم سنة) أجزأ الجذع -من الضأن فقط-, وهو ما بلغ ستة أشهر فصاعداً, لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تذبحوا إلا مُسِنَّةً, إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن". رواه مسلم
قال شيخنا عبد المحسن العباد -حفظه الله-: " الجذع من المعز لا يجزئ في الأضحية، بل لابد من المسنة، وأما الضأن فإنه يجزئ فيه الجذع الذي أكمل ستة أشهر ولم يبلغ أن يكون ثنياً". "شرح سنن أبي داود"(15/175)
فما لم يتوفر فيها السن المطلوب لم تصلح أضحية, حتى ولو كان وزنها كبيراً, أو كانت مسمَّنةً.
5ـ أن تكون الأضحية سليمة من العيوب المانعة من الإجزاء, وهي أربعة مذكورة في النَّصِّ في حديث البراء بن عازب عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "أربع لا تجوز في الأضاحي: العوراء البَيِّن عَوَرُها, والمريضة البَيِّن مرضُها, والعرجاءُ البَيِّن عَرَجُها, والعجفاءُ التي لا تُنقي". (إرواء الغليل/1148)
فكل ما كان فيه أحد هذه العيوب لم تصلح أن تكون أضحية.
6ـ يكره من الأضاحي: ما كان فيه عيب سوى هذه العيوب -مع صحة الأضحية-؛ لعدم وجود نص صحيح في كونها عيوباً مانعةً من الإجزاء, وهي:
العضباء: وهي التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها طولاً أو عرضاً.
والشَّرْقَاءُ: وهِيَ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنُ.
وَالْخَرْقَاءُ: وهِيَ الَّتِي يُخْرَقُ أُذُنُهَا لِلسُّمْنَةِ.
وَالْمُقَابَلَةُ: وهِيَ الَّتِي يُقْطَعُ طَرَفُ أُذُنِهَا.
وَالْمُدَابَرَةُ: هِيَ الَّتِي يُقْطَعُ مِنْ مُؤَخَّرِ أُذُنِهَا.
والجداء: هي التي نشف ضرعها من الكبر.
7ـ يحرم إعطاء الجزار أجرته من الأضحية.
عن علي -رضي الله عنه- قال: أمرني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن أقوم على بُدْنه, وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها, وأن لا أعطي الجزار منها؛ قال: "نحن نعطيه من عندنا". متفق عليه
8ـ لم يثبت في السنة مقدار محدد لتقسيم الأضحية, والأفضل أن يجمع المضحي بين أربع: الأكل منها, والادخار, والصدقة, والإهداء, لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "كلوا وأطعموا وادخروا". متفق عليه والمطلوب في الأضحية: الذبح والأكل والإطعام:
أما الأكل: فيراعى فيه حال أهل البيت ومدى حاجتهم إلى اللحم مقارنة مع من حولهم, حتى يأخذوا حاجتهم في هذا اليوم, ولا يشعروا بالنقص, وأما الإطعام فهو على وجهين: صدقة, وهدية. والله أعلم.
9ـ الأضحية البيضاء أفضل وأحب إلى الله من السوداء, لقوله -صلى الله عليه وسلم-: "دم عفراء أحب إلى الله من دم سوداوين". (الصحيحة/1861)
10ـ يجوز التوكيل في ذبح الأضحية بلا خلاف, والأفضل أن يذبحها صاحبها بنفسه اقتداءً بالنبي -صلى الله عليه وسلم-. فعن عائشة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر بكبش أقرن يطأ في سواد, وينظر في سواد, ويبرك في سواد, فأتي به, فضحى به, فقال: "يا عائشة, هلمّي المدية". ثم قال: "اشحذيها بحجر". ففعلت, فأخذها وأخذ الكبش؛ فأضجعه وذبحه, وقال: "بسم الله, اللهم تقبل من محمد وآل محمد ومن أمة محمد". ثم ضحى به -صلى الله عليه وسلم-. رواه مسلم
* مسألة:
من أراد أن يضحي ودخلت عليه العشر من ذي الحجة فلا يجوز له أن يأخذ من شعره ولا أظفاره ولا بشرته شيئاً, لما أخرج مسلم في صحيحه من حديث أم سلمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا دخلت العشر، وأراد أحدُكم أن يضحيَ، فلا يمسَّ من شعره و بشره شيئاً". وفي راوية: "إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يأخذن شعراً ولا يقلمن ظفراً".
وهذا -على الراجح- خاص بالمضحي فقط, وهو رب البيت, أما من يُضحَّى عنه من أهل البيت فلا يلزمهم ذلك على الصحيح, وهذا ما أحفظه عن علمائنا: الألباني, وابن باز, وابن عثيمين -رحمهم الله-, وقول شيخنا مشهور أيضاً -حفظه الله-, وهناك أيضاً فتوى للجنة الدائمة في ذلك.
إلا أن شيخنا الألباني -رحمه الله- يستحب ذلك لأهل البيت من باب التربية فقط لا على سبيل الوجوب.
والله أعلم
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
كتبها:
أبو عبد الله السلفي المقدسي
علي بن محمد أبو هنية
الجمعة 7 ذو الحجة 1429هـ