الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيد المرسلين, وعلى آله وصحبه أجمعين, ولا عدوان إلا على الظالمين, أما بعد:
فإن مصابنا بإخواننا وأشقائنا وأحبائنا في قطاع غزة الجريح لمصاب جلل, لا يمكن لأي يراعة تسطيره, ولا تستطيع أي ريشة تصويره, ولا يخفى على أحد في العالم ما يعانيه إخواننا المسلمون المستضعفون في غزة من الأطفال, والنساء, والشيوخ الذين يقتلون على أيدي أعداء الله من اليهود الكافرين, وما يعانونه من النكبات, وانتهاك الحرمات, وتدمير للمنازل والمنشآت, وتشريد للمؤمنين, وترويع للآمنين.
وإننا في (جمعية المركز العلمي للدراسات المنهجية والأبحاث العلمية) امتثالاً لقول ربنا -عز وجل-: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ". [الحجرات 10] وقوله -تعالى-: "وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ".[التوبة 71]
وتطبيقاً لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبَّك بين أصابعه". متفق عليه وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر". متفق عليه. وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه ولا يحقره". رواه مسلم
وتأسِّياً بعلمائنا, واقتداءً بكبرائنا, نصدر هذا البيان معلنين موقفنا الصريح مما يحدث من قتل وتدمير في حق أهلنا وإخواننا في قطاع غزة الجريح, مبينين أن ذلك من أعظم الظلم والإجرام في حق أبناء ديننا وشعبنا الكرام.
وبداية نبيِّن أن الجهاد واجب شرعي على الأمة, وأنَّ المسلمين آثمون -المستطيع منهم- لعدم قيامهم بواجب الجهاد لتخليص أرض فلسطين من اليهود الغاصبين, وهذا أمر نادى به إمامنا الألباني -رحمه الله- قبل قرابة 40 عاماً.
قال الإمام الألباني في تعليقه على "العقيدة الطحاوية" ص82: "اعلم أن الجهاد على قسمين: الأول فرض عين, وهو صد العدو المهاجم لبعض بلاد المسلمين, كاليهود الآن الذين احتلوا فلسطين: فالمسلمون جميعاً آثمون حتى يخرجوهم منها.
والآخر: فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الباقين, وهو الجهاد في سبيل نقل الدعوة الإسلامية إلى سائر البلاد حتى يحكمها الإسلام, فمن استسلم من أهلها فبها, ومن وقف في طريقها قوتل حتى تكون كلمة الله هي العليا, فهذا الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة فضلاً عن الأول.
ومن المؤسف أن بعض الكُتَّاب اليوم ينكره, وليس هذا فقط, بل إنه يجعل ذلك من مزايا الإسلام! وما ذلك إلا أثر من آثار ضعفهم وعجزهم عن القيام بالجهاد العيني, وصدق رسول الله -صلى الله عليه و سلم- إذ يقول : "إذا تبايعتم بالعينة, وأخذتم أذناب البقر, ورضيتم بالزرع, وتركتم الجهاد في سبيل الله, سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم". (الصحيحة/11)".اهـ
ولكنَّ الذي نعتقده, وندين الله به أنَّ هذا الجهاد يحتاج إلى إعداد مسبق بنوعيه: إعداد مادي حسِّيّ, وإعداد إيماني معنوي, تطبيقاً لقول الله -تعالى-: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ".[الأنفال : 60]. وأن هذا الجهاد –بنوعيه: جهاد الطلب وجهاد الدفع- لا بد له من شروط يجب أن تتحقق قبل المناداة به, والإعلان عنه, وما دون ذلك خرط القتاد -كما يقال-.
لذا فإن هذه الأمة العاجزة نراها اليوم تدفع ضرائب باهظة لتقصير سبق منها, وتفريط نجم عنها, فلن يجدي اليوم المسيرات, ولا المظاهرات, ولا النزول إلى الشارع -كما يقال-, لن يعيد لهذه الأمة عزها ومجدها إلا الرجوع إلى دينها, والجهاد في سبيل الله جهاداً شرعياً, لا جهاداً عاطفياً حماسياً عشوائياً, دون ضوابط تحكمه, وأحكام تضبطه, بل الأمر كما في الحديث المتقدم ذكره: "حتى ترجعوا إلى دينكم". وكما قال الفاروق -رضي الله عنه-: "إن الله أعزنا بهذا الدين فإذا تركناه أذلنا الله".
وما أحداثُ غزةَ الدامية إلا ثمرةٌ مرَّة, ونتيجةٌ مضِرَّة, لاستعجال بعضهم, ممن لم يعرف قدر نفسه, ولم يحسب قوة عدوه, فظنَّ أنه وصل إلى مرحلة قطف الثمار!!
وكما قيل: رحم الله امرأً عرف حدَّه فوقف عنده.
والقاعدة تقول: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
وقال شيخ الإسلام -رحمه الله-: "والعاقل لا يبني قصراً ويهدم مصراً". "مجموع الفتاوى"(17/420)
فبسبب جهلهم واستعجالهم جرّوا الويلات على هذه الأمة الضعيفة, ووضعوا المسلمين المساكين أفراداً وجماعات بين المطرقة والسندان, وراح ضحية التَّكالب على المناصب والرِّياسات شعب أعزل من المسلمين الأبرياء لا حول له ولا قوة, وتاجر بدمائهم المتاجرون, وهذا والله أمر لا يرضاه الله ولا رسوله.
وقد حذَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- من تهييج الأعداء, خاصةً إذا لم يكن لنا بهم قدرة وطاقة, فقال -صلى الله عليه وسلم-: "دعوا الحبشةَ ما ودعوكم, واتركوا التُّركَ ما تركوكم". رواه أبو داود(4302)وصححه الألباني في (صحيح الجامع/3384)
وقد بوَّب أبو داود السجستاني -رحمه الله- لهذا الحديث في سننه بقوله: باب "في النهي عن تهييج الترك والحبشة".
فلما التزم المسلمون بهذا الحديث, وأمسكوا عن استفزازهم, سلموا من غائلتهم, ولما خالفوه, وقعوا فيما حذَّرنا منه نبينا, وجرّوا على هذه الأمة الويلات والنكبات, وأخّروا عنها النصر الحقيقي الذي تصبو إليه, وقد ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في تاريخه مثالاً قريباً من هذا من حال المسلمين مع التتار قديماً بقيادة (جنكيز خان), وكيف أن بعض المسلمين بقيادة الملك (خوارزم شاه) قد استفزوهم واستثاروهم لغزو بلاد الإسلام, فكانت النتيجةُ كارثةً حقيقية, وهي قتل الملايين من المسلمين في عقر دارهم, قال ابن كثير -رحمه الله-: "وقد قَتلَ [جنكيز خان] من الخلائق ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم، ولكن كان البداءة من خوارزم شاه، فإنه لما أرسل جنكيز خان تجاراً من جهته معهم بضائع كثيرة من بلاده فانتهوا إلى إيران, فقتلهم نائبها من جهة خوارزم شاه، وهو والد زوجة كشلي خان، وأخذ جميع ما كان معهم، فأرسل جنكيز خان إلى خوارزم شاه يستعلمه هل وقع هذا الأمر عن رضى منه أو أنه لا يعلم به، فأنكره, وقال له فيما أرسل إليه: "من المعهود من الملوك أن التجار لا يقتلون لأنهم عمارة الأقاليم، وهم الذين يحملون إلى الملوك ما فيه التحف والأشياء النفيسة، ثم إن هؤلاء التجار كانوا على دينك فقتلهم نائبك، فإن كان أمراً أمرت به طلبنا بدمائهم، وإلا فأنت تنكره وتقتص من نائبك".
فلما سمع خوارزم شاه ذلك من رسول جنكيز خان لم يكن له جواب سوى أنه أمر بضرب عنقه -فأساء التدبير-، وقد كان خرف وكبرت سنه، وقد ورد الحديث: "اتركوا الترك ما تركوكم". فلما بلغ ذلك جنكيز خان تجهَّز لقتاله وأخذ بلاده، فكان بقدر الله -تعالى- ما كان من الأمور التي لم يسمع بأغرب منها ولا أبشع".اهـ "البداية والنهاية"(13/139)
وقد ذكر الحافظ ابن كثير -رحمه الله- في أحداث عام 656هـ ما حصل على أيدي التتار بعد دخولهم ديار الإسلام, فقال -رحمه الله-: "ثم دخلت سنة ست وخمسين وستمائة؛ فيها أخذت التتار بغداد, وقتلوا أكثر أهلها حتى الخليفة، وانقضت دولة بني العباس منها... وقال: وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل: ثمانمائة ألف, وقيل: ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون".اهـ "المصدر السابق" (13/226ـ229)
فكما نرى هنا: لما خالف المسلمون أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بترك الترك؛ جاءت العاقبة مريرةً, حيث اجتاح التتار ديار الإسلام في كارثة لم يسبق لها مثيل في التاريخ, ولا شكَّ أن هذا ليس من الحكمة في شيء, ولا يجلب أي مصلحة للأمة, بل هو من أعظم الخَرَق والسفه, وما نراه من نتائج هو عكس ذلك وخلافه, وقد قال عمرو بن العاص لابنه عبد الله -رضي الله عنهما-: "الخَرَق: معاداة إمامك, ومناوأة من يقدر على ضررك".اهـ
فالعاقل حقَّاً من فوَّت الفرصة على العدو من أن يمكِّنه من رقاب المسلمين, وكسر شوكتهم, والرشيد لا يفتح على المسلمين باباً يصعب غلقه, ولا يوقعهم في الحرج والعَنَت مما هم في غنى عنه.
وها نحن نرى اليوم الزمان يعيد نفسه, والأحداث تتكرر, وما ذلك إلا للبعد عن الكتاب والسنة والاستقامة, ومنهج السلف الصالح الذي فيه العزة والكرامة, والتمسك بالحزبية المقيتة, والنزوع إلى القبلية البغيضة, والإعراض عن تقريرات العلماء الراسخين, وأئمة الدين, والإعجاب بالرأي, والاعتداد بالنفس, والإقبال على الدنيا وزخرفها, والتطلع إلى زهرتها, ومنازعة ولاة الأمر شأنهم, وقد حذر نبينا -صلى الله عليه وسلم- من التطلع إلى المناصب والإمارة أيما تحذير, وأن العبد إذا استشرفت نفسه إليها, وكله الله إليها وتخلى عنه, فقال -صلى الله عليه وسلم-: "يا عبد الرحمن بن سمرة! لا تسأل الإمارة؛ فإنك إن أوتيتها عن مسألة وُكِلت إليها, وإن أوتيتها عن غير مسألة أُعِنت عليها". متفق عليه
ولا شكَّ أن المسؤولية كبرى على المسلمين, وعظمى على المؤمنين, حكامٍ ومحكومين, كلٌّ بحسبه, لذا فنحن ندعو جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى الوقوف مع إخواننا في غزة, ومد يد العون لهم والمساعدة بكل ما أوتوا, ووقف شلال الدماء الذي يسيل, وعدم تركهم وإسلامهم إلى اليهود الكافرين أعداء الله.
ونحذِّر كذلك من الالتفات إلى المغرضين الناعقين مثيري الفتن, ممن يزعم نصرة هذا الشعب ومحبته, ويريد أن يعيِّش الأمة في أوهام وأحلام, ممن يقبع في إحدى عواصم دول العالم العربية أو الغربية.
وإننا جميعاً في جمعية المركز العلمي نعلن وقوفنا بجانب إخواننا المستضعفين في غزة في هذه المحنة, وهذه الظروف الصعبة التي يمرون بها, ونؤازرهم في هذه الأزمة بكل ما أوتينا, امتثالاً لقوله تعالى: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى".[المائدة:2]
وأعظم ذلك -فيما نرى- هو الدعاء لهم, فإن الدعاء سهم مُصيب, وسلاح لا يخيب.
ويالله ما أشد الكرب على المسلم حين يرى ما يحلُّ بإخوانه, ولا يستطيع أن يفعل شيئاً حيال ذلك سوى الدعاء, ولعل الله يستجيب لعبد من عباده, في دعاء خلوة, أو سؤال جلوة, فيرفع هذا الضر والبلاء عن إخواننا الصابرين المستضعفين.
فإن هذه المحنة ما لها من دون الله كاشفة, ولن يكشف الضُرَّ عنا وعنهم إلا الله وحده, وإن المسلمين دينهم واحد, وهم يد على من سواهم.
فندعو إخواننا المؤمنين في غزة إلى الصبر على هذا المصاب الجلل, حتى يأتي الله بالفرج من عنده, والله يأجرهم على ذلك, فإن الصبر ضياء, والصبر عبادة عظيمة أمر الله بها عباده المؤمنين, ووعدهم عليها بالثواب الجزيل, قال -تعالى-: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ". [الزمر : 10]
وندعو جميع إخواننا للدعاء والقنوت لأهلنا المستضعفين في غزة: في الصَّلوات, والخلوات, وفي جميع الأوقات.
ونسأل الله أن يرحم قتلاهم ويتقبلهم عنده من الشهداء, وأن يحشرهم مع الصديقين والأنبياء.
ونسأله سبحانه أن يشفي جرحاهم ويردهم لأهلهم سالمين.
ونسأله سبحانه بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرفع الضر والبلاء والكرب واللأواء عن أهلنا في غزة, وأن يجعل ما أصابهم رفعةً لهم في الدنيا والآخرة.
وأن يَشدُد وطأته على اليهود المحتلين الكافرين, وأن يجعلها عليهم سنين كسنيِّ يوسف, وأن يرد كيدهم في نحورهم ويجنب المسلمين شرورهم.
وأن يوحِّد كلمة المسلمين أجمعين على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
اللهم آمين
والحمد لله رب العالمين
جمعية المركز العلمي للدراسات المنهجية والأبحاث العلمية